حتى لا أكره شرطيات المرور!!!

كتبهاليلى ، في 14 نوفمبر 2007 الساعة: 21:01 م

محمد الزوي

كادت امرأة بريطانية من أصول إفريقية في العقد الرابع من عمرها عملها " شرطية مرور" كادت أن تُعقّدني في حياتي وتُعقّدني من مدينة أحبها اسمها "لندن" و الأدهى من ذلك أنها كادت تجعلني أكره نساء الكون وأنا الذي أوقفت عمري على حب وعشق النساء ابتداءً من "أمنا حواء" إلى "ماما تيريزا" وما بينهما من جنات وحدائق وغابات وأزهار ولوز وعناب وتفاح!!
ولأحكي لكم قصتي مع هذه المرأة.
في سنة 1968 مسيحي من القرن الماضي كنت موجوداً في لندن لدراسة الدراما المرئية وبما أن المسافة بين أين أنام وأين أدرس مسافة متعبة نوعاً ما قررت القيام بمغامرة شراء سيارة وتكللت مغامرتي بالنجاح إذ حصلت على سيارة صغيرة قديمة بيضاء اللون ركوبها يشعرك بأنك داخل "زنزانة مبسترة" لكن سعرها يغريك وقد يدفعك لشرائها حتى على سبيل "الفرجة " على السيارة وعلى الدنيا.
خمسة وعشرون جنيهاً إسترلينياً بالتقسيط المريح أصبحت بفضلها من كبار قوم لندن وكان يمكن أن تتلبسني هذه الحالة حالة أنني من كبار القوم لولا أن الشرطية المرورية البريطانية ذات الأصول الإفريقية خرجت لي في الوقت المناسب لتقول لي "قف أيها الإفريقي القح القادم لتلوين الشمال بتخلف الجنوب"
ووقفت..وقد أكدت لي الشرطية البريطانية الإفريقية الأصل بما لا يدع مجالاً للشك وبالدلائل والبينات أن ما أقوده لا هو سيارة ولا دراجة ولا حتى بغل أفغاني..
قالت والابتسامة لا تقترب من شفتيها " إن ما تعتقد أنك تقوده ليس سوى صندوق كرتون له عجلات كل عجلة تنتمي إلى قرن!!".
وكتبت لي قائمة رأيت بدايتها لكن نهايتها بالتأكيد استقرت في صندوق القمامة وأعطتني مهلة أسبوع كامل لشراء ما في القائمة وتركيبة في الصندوق الكرتوني حتى ترى إن كان هذا العمل سيقنعها بأن معجزة حوّلت الصندوق إلى سيارة حتى ولو كانت معاقة وليست ميتة بالكامل.
ولأن دورية الشرطية البريطانية الإفريقية تتمركز في الحي الذي أسكن فيه وهو حي " كونيزو" وأصبح لزاماً عليّ أن أعود إلى دراسة  الحي دراسة كاملة متكاملة دقيقة شاملة وأن أرسم له خارطة داخل دماغي حتى أعرف مداخله ومخارجه، شوارعه وأزقته و مساربه ، قوة الضوء في هذا الشارع وضعفها في الثاني وانعدامها في الثالث.
إذ بدون كل ذلك فإنني سأجد نفسي كل صباح أقول لتلك الشرطية " صباح الخير يا معذبتي" أو " مساء النور      يا مطاردتي ".
وعلى مدى قرابة السنة استمرت المطاردة بين الإفريقي "القح" الذي هو أنا وبين الإفريقية الأصل التي هي شرطية المرور البريطانية.
ويبدو أن الأصلي أذكى من "المستنسخ" ولذلك لاعبتها وناكفتها ورسمت لها عشرات الخطط وفتحت ثغرات جانبية للهروب..غيرت المقهى وودعت بائع الصحف ودفعت ديوني عند " البقال" الذي يبيع " اللحم الحلال".
أصبحت ظاهرياً الفأر " ميكي ماوس" ولكن بالداخل كنت فأراً مرتعباً منتظراً تلك اللحظة السوداء التي تخرج لي فيها شرطية المرور وهي تغني " هلا بالهارب الغالي ".
وكادت حياتي تصبح خالية من ذكرياتها، فشارعي لم يعد شارعي ونديمي لم يعد نديمي ومحاوري لم يعد محاوري وصداقاتي لم تعد صداقاتي..
وهكذا أصبحت أنا الهارب أبداً..
وأصبحت هي المنتظرة أبداً..
ولعب معها الحظ فعثرت على مكان سكناي وهكذا جاءت "الرافعة" في صباح لا شمس فيه ونقلت السيارة الكرتونية إلى حيث نقلت ولم أجد سوى ورقة تطالبني بالاتجاه إلى دائرة مخالفات المرور ولو جمعت لي الحكومة البريطانية كل مخالفاتي العلنية وليس الخفية وحوّلت هذه المخالفات إلى مبلغ مالي فلاشك أنني لازلت نائماً في أحد السجون البريطانية أسدد نتيجة المخالفات…
في ذلك الوقت لعب معي الحظ أنا إذ أصبح بيني وبين العودة إلى الوطن أيام معدودة لتخدمني الأقدار بحضور قيام الثورة العظيمة في الفاتح من سبتمبر 1969 مسيحي.
وهكذا ودعت سيارتي المسجونة وودعت مئات المخالفات وودعت جارتي الجميلة وودعت من بعيد شرطيتي العزيزة…
عدت إلى الوطن ودخلت الزحام وبدأت أمارس حياتي ومع كل خطوة كانت الذكريات القديمة تتآكل حتى نسيت تماما شرطية المرور البريطانية الإفريقية الأصل التي حولتني إلى فأر ليس له من مهمة في حياته سوى كيف يهرب من القطة المختبئة له في كل منعطف.
وما كنت أعتقد أبداًً أنه في أحد الخزائن الصغيرة المهملة في الذاكرة تختبئ شرطية المرور لتفاجئني ذات لحظة زمني ذات سنة ذات يوم.
وجاء هذا اليوم ففي ذات صباح وأنا " أقتحم " بسيارتي الشوارع مخلفاً ورائي خيوطاً سوداء تحجب النظر وتعطي ضربة قاصمة للمهتمين بالبيئة ونظامها وسبب استعمالي لكلمة "اقتحام"  تتمشى مع الانفلات المروري عند مجموعة من سائقي السيارات الشيء الذي يجعلك " تقتحم"  فتجد طريقك وإما "تتعقل" فتصبح مجرد نقطة وسط زحام مرتبك يقودك إلى مرض السكري ويأخذك إلى حيث الضغط المرتفع ويجرجرك عجوزاً له صلة قرابة بأهل الكهف.
فالقيادة لم تعد فناً و ذوقاً، أصبحت    " هاجم ونهاجم " والمتهور هو الذي يأكل " الجو " وقد يرفعه " التهور"  إلى عالم آخر لم يضعه في حسابه.. نعم قيادة السيارات أصبحت في فترة من الفترات " كرّ وفر"  وإن لم تكن ذئباً أكلتك الفئران وشرطة المرور "دائخة" وسط هذا الانفلات فهل هي قادرة على أن تضع دورية في أول كل شارع وفي نهايته أيضاً.."مستحيل" طبعاً فمع القانون لابد من "ضمير" وأين "الضمير" عند البعض.. وهذا البعض هو الذي يخلق الزحام وهو الذي يسبب الحوادث وهو الذي يجعل إشارات المرور مجرد قطع حديدية لا تعني شيئاً.. حتى أصبحت متأكدا من أن الانفلات المروري لن يختفي من مدينتنا إلا بعد أجيال على أساس أن نبدأ من الآن في فتح دورات مجانية ملزمة تعلّم الناس معنى القيادة.
" هاجم ونهاجم " والمتهور هو الذي يأكل " الجو " وقد يرفعه " التهور"  إلى عالم آخر لم يضعه في حسابه.. نعم قيادة السيارات أصبحت في فترة من الفترات " كرّ وفر"  وإن لم تكن ذئبا أكلتك الفئران وشرطة المرور "دائخة" وسط هذا الانفلات فهل هي قادرة على أن تضع دورية في أول كل شارع وفي نهايته أيضاً.."مستحيل" طبعاً فمع القانون لابد من "ضمير" وأين "الضمير" عند البعض.. وهذا البعض هو الذي يخلق الزحام وهو الذي يسبب الحوادث وهو الذي يجعل إشارات المرور مجرد قطع حديدية لا تعني شيئاً.. حتى أصبحت متأكدا من أن الانفلات المروري لن يختفي من مديتنا إلا بعد أجيال على أساس أن نبدأ من الآن في فتح دورات مجانية ملزمة تعلّم الناس معنى القيادة.
المهم في ذلك الصباح وأنا أقتحم شوارع المدينة اكتشفت أن الأمور "هانئة" وأن الشوارع لا تعاني من زحام الضغط والسكري ولا تصرخ من "اجتيازات" الموت و"جلانجوات الاستهتار".
أنا متأكد أنني في شوارع طرابلس فما الذي حصل بين ليلة وضحاها؟!
قلتُ وأنا أواصل " اقتحاماتي" التي لم يعد من مبرر لها لا بد أن صديقنا  أمين الأمن العام..  لابد أنه استورد أجهزة سرية خاصة زرعها في الشوارع لترسل ذبذبات خفية تبعد التوتر وتعتقل روح التهور وتذيب سلاسل الزحام .
قلتُ "ربما" وأعطيتُ لسيارتي "الشياط" وسط الشوارع الفسيحة "الهانئة" كأنني أريد الانتقام من أيام الأعصاب والعرق والكلمات البذيئة!!
وفجأة خرجت لي تلك "الشرطية" التي عقّدت حياتي في "لندن" لم تخرج من الخزائن المنسية داخل الذاكرة ولكنها هي بذاتها ربما اختلف شكلها قليلاً ربما هناك اختلاف في "بزتها" الرسمية ولكنها "هي" وإن لم تكن في الحقيقة "هي".
إنها شرطية مرور ليبية تطلق "صفارتها" حتى يقف هذا "المقتحم" المتهور الذي هو "أنا" ولأنني أحبُ النساء فقد فرحت لأن كل شيء لا يؤنث لا يعوّل عليه ، عندما وصلتني ومنحتني السلام بحركة من يدها كنتُ "أنا" قد أعددتُ نفسي للعب بعقلها مسترجعاً قصتي مع الشرطية البريطانية !!
" الأوراق يا عمي الحاج" وأنا أقدم لها الأوراق قلتُ لها " أنا مش حاج يا افندم" وهي تتفحص الأوراق وتدور حول السيارة حاولتُ أن أضعها في "الصورة" فأنا "كاتب" و"أديب" و"صحفي" و"إذاعي".. ولابد أن أجري وأقطع الطريق بسرعة.. لأنه مطلوب مني كذا وكذا.. وينتظرون أعمالي على نار.. وأن التزاماتي تجعلني وقبل أن أكمل جملتي  جاء دورها في الكلام ودوري في الإنصات مع "غرور" مني بأنها ستقول "هذه أوراقك أيها الأديب والكاتب وانطلق في الشوارع كما شئت" !!
وإذا بها تتحول إلى تلك الشرطية القابعة في الذاكرة منذ حوالي أربعة عقود سحبت قلماً ودفتراً مليئاً بالأوراق الصفراء وبدأت تعد حسناتي!!!
سرعة فائقة ، كابح فقد عمره الافتراضي.. المرآة الجانبية مجرّد "منظر" .. حزام الآمان لا أثر له.. كأن السيارة  صنعت في حضارة سادت ثم بادت.. الضربات تملأ هيكل السيارة .. الفحص الفني انتهى منذ منتصف القرن الماضي وووووووو وبعد أن استمعتُ إليها بانتباه مراوغ قلتُ لها " امنحيني فرصة؟!".. وذلك حتى أمارس الهروب الذي مارسته مع الشرطية البريطانية ولكنها قالت  "أنا لن أخالفك" ، المخالفة ليست علاجاً، سأحتفظ بأوراقك وأمنحك فرصة أيام لترميم وضع السيارة ..أما سرعتك الفائقة فأنا أتركها لضميرك ككاتب وأديب وصحفي كما ذكرتْ" وتركتني..
وهكذا كأي مواطن ليبي "طيب" وضعتُ سيارتي في "ورشة"لأيام معدودة وعدتُ إلى شرطية المرور العزيزة التي لم تسلمني الأوراق إلاَّ بعد أن تأكدت أن السيارة "تمام" وأن الكاتب والأديب قد تعلَّم الدرس.
وفعلاً تعلّمتُ الدرس جيداً، وعرفتُ لماذا يختفي الزحام كلما وجدتُ "شرطية مرور" في الشارع ! وعرفتُ حقيقة الأجهزة السرية التي نشرها صديقنا  أمين الأمن العام .
وبدأتُ أنظر إلى اليمين وإلى الشمال وإلى فوق وتحت قبل أن أقرر "الاقتحام" القاتل.. فقد تكون تلك الشرطية الرائعة في زاوية "مَّا" من الطريق .. فماذا سأفعل إذا وجدتها وأنا في وضع غير طبيعي؟!
أنا أحبُ وأُقدّر النساء.. لكن       يا شرطيات المرور رأفة بالكُتَّاب والأدباء والفنَّانين.. الذين يتركون عقولهم في بيوتهم ثم يخرجون حاملين "إبداعاً" يعتقدون أنه سيغيّر الكون كله.
يا شرطيات المرور لا تدفعوني لكراهية النساء!!!
    

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : محمد الزوي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “حتى لا أكره شرطيات المرور!!!”

  1. شكرا لاختيارك للرائع والرقيق الزوى ليكون فى مدونتك واسلوبة السهل الممتنع - هكذا هم الرائعون يختارون من هم مثلهم - سليمان الورفلى

  2. والله كنت اتنقل ما بين جمل الكاتب كالذي غلبه الجوع وسقط في حديقة غناء فأخذ يلتقط تلك الجملة( تفاحة ) . وهذي العبارة (مانجو) .وذلك التلاحم الغير مجهد ما بين الفقرات (عنقود عنب )..فانتهي بي المسار في نهاية المقال وقد استمتعت بكل ما أكلت ..آسف ..قرأت .والله كاتب متتميز جدا يمثل من وجهة نظري فخرا للصحافة والاعلام الليبيين ….

    تحياتي للاستاذ الكاتب والمبدع ….

    وتحياتي للرائعة الاخت ليلي صاحبة المدونة التي تؤكد ان في ليبيا مدرسة صحفية واعدة تستحق المتابعة والدراسة ….

    عبده مغربي

    صحفي مصري



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر